fbpx

دروس من قصة ابراهيم -عليه السلام- [1]

نُخطئ كثيراً حين نعتبر قصصَ الأنبياء مجرَّد أحداثٍ يقصُصها القرآن علىٰ مسامعنا ثم ينتهي أمرها؛ إنها قصص بطريقةٍ ما تمتد عبر الزمان وإن لم تتكرر أحداثُها، إنها قصص نُسِجت حبكتُها بالسنن الكونية الخالدة، ولذلك؛ فهي تمتد وتمتد وستَظلّ… قد تكون جذورها -بالحساب الزماني التاريخي- ضاربةً في الماضي مُغرِقةً فيه، ولكنّها –أبداً- تُلقي بظلالها علىٰ واقع الناس وترسم مستقبلَهم الآتي لا محالة.. وإنها قد تُلقي بظلالها علىٰ أُمَّة من الناس: علىٰ دولة من دُوَلِهم.. أو علىٰ قوم.. قرية.. أُسرة… أو عليك أنت أو علىٰ هذا العالمِ بأسره أيضاً! أو قد تُلقِي حكايةٌ واحدة بظلالها علىٰ كل ذلك، وإبراهيم -ﷺ- ﴿ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[النحل:120]

قصص القرآن وقصص الأنبياء –عليهم السلام- بالذَّات علىٰ نَحوٍ ما هيَ قصصُ كُلِّ يوم، وحكايات كل يوم… قد تختلف الأسماء والأشكال والأزمنة والأمكنة.. ولكنها تبقىٰ دائما نفس الحكاية، وقِصَّة إبراهيم كذلك؛ ليست حكاية حصلت وانتهت، ليست قصة رجل ترك زوجته وصغيره الرضيعَ في مكان بعيدٍ مُقفِر، ثم عاد بعد ذلك وبنىٰ الكعبةَ مع ابنِه الذي اشتدَّ عودُه ثم انتهىٰ الأمر، الأمر أكبر من ذلك، أبعد من ذلك، أعمق من ذلك.. بل وأقسىٰ من ذلك..

إبراهيم؛ من هو إبراهيم؟

يُقَدِّمُه إلينا القرآن الكريم عبرَ مواقفِه التي تختلف عما عهدناه في قصص الأنبياء الآخرين، إبراهيم -ﷺ- ثورة المفاهيم، ثورة العقل، ثورة التأمل، ثورة الشك الذي لا ينفصل عن الإيمان، ثورة الرجل الذي لا يُحبُّ الآفلين… إبراهيم النبيُّ الذي لم يحترق بنار قومه، ولكنه كان يحترق من أجلهم في كل زاوية من زوايا أعماقه ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾[هود:75]، إبراهيم الذي لم تَنُؤ رَقَبته يوماً برأسه، رأسُه الذي لم يتوقف يوماً عن السؤال والمُساءلة والمراجعة والبحث عن الحقيقة…

إبراهيم -ﷺ- خليل الله ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾[النساء:125]، إبراهيم شديد الثِّقة بربه ﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾[الحجر:56]، إبراهيم الذي لا يكف عنِ المُناجاة، لا يكُفُّ عن الرَّجاء، لا يكف عن الدُّعاء ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَىٰ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[الشعراء: 83-89]، إبراهيم -ﷺ- ﴿الَّذِي وَفَّى﴾[النجم:37].

من الصَّعب الحديث هنا عن إبراهيم -ﷺ- كُلِّ إبراهيم -ﷺ-، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾[الأنبياء:51] وحْدَهُ عِلمُ الله إذن يُمكنه أن يُحَدِّثنا عن إبراهيم -ﷺ-، وما سنفعله الآن وما فعله أو قد يفعله الكثير من الدَّارسين -مهما اجتهدوا- لن يكونَ شيئا آخر غير محاولةٍ للكشف عن جانبٍ من رُشْد إبراهيم -ﷺ-.

كُنتُ ولاأزال أقِفُ مَشدوهًا أمامَ هذا النَّبي الكريم -عليه وعلىٰ نبِيِّنا أفضل الصلاة والسَّلام- أقِفُ تارةً مُستغِرِقًا في تأمُّلاتٍ تأخذني إلىٰ أعمقِ أعماقي، ينتابُني حينَها شعورٌ أنَّ نداءَ سيدنا إبراهيم -ﷺ- لم يتَوَقَّف بعدُ وأنَّ صداهُ لايزالُ مدوِّيًا، أذَّن -ﷺ- في الناس فلبَّوْا النداءَ مِن كُلِّ فجٍّ عميقٍ، ولكِنِّي كُلَّما قرأتُ عنه أو مررتُ بآية تُخبرني شيئًا عنه إلَّا وجدتُه أخذني هو -ﷺ- إلىٰ الفجّ العميق بداخلي، ذلك الفج الذي يقع في أغوار نفسي، لم اكتشفه بعد، لم أصِل إليه قط…

ومِن تجلِّياتِ رُشدِ إبراهيم -ﷺ- قُدرتُه علىٰ مناجاة ربه وتواضعه الغريب في الطلب والدعاء، أقِفُ معكمُ اليومَ لِتدَبُّر مقطعٍ مِن دعاءِ الخليل إبراهيم -ﷺ- لاجتماعِ مُناسِبتين عظيمتين، الأولىٰ: أنَّ اليومَ يومُ عرفة، قال رسول الله -ﷺ-: “أفضل الدُّعاء؛ دعاء يوم عرفة”، والثَّانية: ارتباط شعائر الحجِ بهذا الرَّسول الكريم خليلِ الله إبراهيم -ﷺ-، فما عسانا نَتَعَلَّم من دعاء سيدنا إبراهيم -ﷺ-:

﴿‌وَالَّذِي ‌أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشُّعراء:82]

إنَّ هذا المقطع مِن الدُّعاء يأخذنا إلىٰ شُرُفاتِ العالمِ القُدسي، عالم القُربِ والأنس بالله. في هذا المقطع من الدعاء؛ يقفُ إبراهيم -عليه السلام- يُعَلِّمنا أصول الدخول إلىٰ حضرةِ الله، يُعَلِّمُنا آداب الحديث ومُجالسة الله، في الآية الكريمة وقفتُ علىٰ سبعٍ مِن تلك الآداب:

1-إلزَم صِفريَّتك:

أوَّل ما يُلفت انتباه المرءِ أمامَ هذا الدُّعاءِ، أنَّه لو جُرِّد من سياقه لخالَهُ دعاءَ مَن افتقرت أعماله، ولا يجِدُ منها ما يَصْلُح ليَكون شفيعًا بين يَديْ ربِّه فيطلبَ بها الزُّلفىٰ والغُفران، إنَّنا لو جرَّدنا الدعاءَ من لسان إبراهيم -عليه السلام- لمَّا تردَّدنا لحظَةً في نِسبَته لواحِدٍ من عِباد الله حديثِ التوبة والعودة والأوبة بعد طول غفلة، والأمرُ هنا غاية في الدِّقة، يُعَلِّمُنا إبراهيم -ﷺ- أن لا نرىٰ لأنفسنا علىٰ الله حق.اِطرح كُلَّ أوهامِك عن نفسك، وانطرِح صِفرًا بين يديه، وما أفضله من حال حين تقول: يارب؛ جئت بك إليك.

2-إلزم شرط الأدب:

ومِن لطائف هذا المقطع من الدُّعاء أنَّ إبراهيم -عليه السلام- وهو الخليل يسأل ربه بأدبٍ جَمٍ حيِيٍّ، نبرات الصوت في الآية، ونظمُها، وحروفها… كُلُّها تحيل إلىٰ سكينةٍ بالغةٍ في حضرة الله وفي توقيرٍ عظيم للمولىٰ في سياقِ مُخاطبته، وعلىٰ الرُّغم ممَّا يعتمِل في وجدان إبراهيم -ﷺ- فإنَّك لا تجد لذلك أثَرًا في نبرات صوته وأسلوب دعائه.

3-إلزمِ التذلل والتواضع:

إنَّه الخليل، ولكنَّه يُطْلِقُ لفظ الطَّمع في المغفرة بدلَ الرجاء، وفي ذلك من التواضُعِ ما يستشعره القلب المرهف، وكأنَّ بالخليل يقول: إني يارب أطمع، أنا عُبيْدُك الذي يطمع في أيِّ شيءٍ من جناب حضرتك، وقد قال العلماء: الطَّمع في الله يحسُن.

4-لا تُبرِّء نفسَك:

الاعتراف يذهب الاقتراف ويمضي بك للاغتراف، إبراهيم -عليه السلام- لا يُبرِّء نفسه، فينسب الخطيئة لنفسه، لا يُبرِّر ولا يُفسِّر، يقف معتذرًا ومعترِفًا.

5-انشغِل بالمُعطي عنِ العطية:

يبدأ إبراهيم باسم الإشارة «الذي»، مُنشَغِلًا بالمُعطي عنِ عطِيَّته، وبالغفور عن مغفرته، إنَّه يعلِّمنا أن نكون مع الله ولا نُبالي، وأن نُثبِّتَ أعيننا علىٰ الله. أن نسير إلىٰ الله بالله ومع الله ولله.

الخميس 2 ذي الحجة 1438ﻫ الموافق ﻟ 24 غشت 2017مالتَّعديل: الأحد 7 ذي الحِجَّة 1442ﻫ الموافق ﻟ 19 يوليوز 2021م

شارك المقال

تعليقات الفيسبوك

التعليقات (0)

لا تعليقات حتى الآن، كن أنت الأول.

نص التعليق