fbpx

الإصلاح التربوي المغربي في ظل التوجه الاستراتيجي: السياقات

أهم المؤسسات المعنية بالإصلاح التربوي وأدوارها
  • توطئة

سأركِّز حديثي في هذا المقال علىٰ التعريف بأهم ملامح الإصلاح التربوي الجديد للمنظومة التربوية المغربية مع تقديم مجموعة من الملاحظات أحسبها تُسعِف في إحداث الوعي الذي نطمح إليه من كتابة هذا المقال. وسنُخصِّص هذا المقال–إن شاء الله تعالىٰ- للحديث عن سياقات إصلاح المنظومة التربوية المغربية، والتي ستنتظم في سياقات ثلاثة: السياق الزماني، والسياق المتعلق بالإصلاح المؤسساتي، ثم سياق التوجه الاستراتيجي للإصلاح التربوي المغربي.

سياقات الإصلاح الجديد لمنظومة التربية الوطنية:

1-السياق الزماني:

لم يُجْمِعِ المُتخصِّصون والمُهتمون علىٰ قضيةٍ من القضايا المُرتبطة بالإصلاح التربوي بالمغرِب؛ إجماعَهم علىٰ ما اتصفت به جهود “الإصلاح” قبل الميثاق الوطني للتربية والتكوين من الارتجالية والميزاجية والعشوائية… ويُمكِن الوقوف علىٰ هذا الأمر من خلال الاطلاع ولو بشكل سريع علىٰ ما صاحبَ تعاقُبَ الوُزراء علىٰ قطاع التربية والتعليم من تغييرات في ترتيب أولويات الإصلاح ووضع خططه وبرامجه واستراتيجياته… هذا مع غياب شبه تامٍّ لأي دراسات تقويمية وتشخيصية للواقع التربوي القائم حينها أو للجهود الإصلاحية التربوية السابقة.. حتىٰ تُبلوَر في ضوء نتائجها الرؤىٰ والاستراتيجيات وتُؤسَّس المشاريع…

وبعد إصدار الميثاق الوطني للتربية والتكوين عرفت هذه الحالة نوعاً من الانحسار، ولكنها ظلت موجودة بنسب متفاوتة في المجالات التي شملها الإصلاح التربوي، ويرجع ذلك لأسباب كثيرة قد لا يسع المقام للتفصيل فيها، إلاَّ أنَّ الذي يعنينا منها الآن هو صدور الميثاق عن لجنة ملكية خاصة تَشَكَّلت من هيئات وفعاليات مختلفة تربوية ومهنية ونقابية… انتهت مُهِمَّتها الأساسية بانتهاء صياغة الميثاق، ليبقىٰ المجال بعد ذلك فارغا من الناحية التشريعية إذْ لم يُستتبع العمل بإصدار قانون إطار يجعل من مُقتضيات الميثاق أمرا مُلزما مما جعله وثيقة للاستئناس لا غير، وكذلك بقِيَ مجال المواكبة لعمليات تطبيق الميثاق وتتبعها وتقويمها فارغاً في ظل عدم وجود هيئة أو لجنة مُخَصَّصة لذلك.

وكمُحاولة لتجاوز هذا الوضع وإحداث قطيعة تامة مع كل أشكال الارتجالية والعشوائية في العمليات الإصلاحية في المجال التربوي، وما ينتج عنها من عمليات إصلاح الإصلاح واستنزاف للجهد و الأموال والوقت… أُحْدِث المجلس الأعلىٰ للتربية والتكوين والبحث العلمي في ماي 2014م كهيئة استشارية تَحُلُّ مَحلَّ المجلس الأعلىٰ للتعليم سابقا، ليضطلع بأدوار ومهام تُسهِم في نهاية المطاف في بلورة الرؤىٰ والاستراتيجيات والمشاريع الإصلاحية بعيدة الأمد، والقائمة علىٰ دراسات وتقييمات مُنتظِمة ودقيقة لمختلف مكونات المنظومة التربوية.

وبذلك؛ لم تَعُد مسؤولية الشأن التربوي من اختصاص الوزارة الوصية فقط، التي كانت تعمل قبل الآن بشكل منفرد ومنفصل عن مجموعة من المؤسسات والهيئات التي يُفترَض أن تتقاسم معها هموم التربية والتعليم، الأمر الذي أدَّىٰ إلىٰ إحداث تغييرات هامّة علىٰ مستوىٰ خريطة المؤسسات والهيئات والقطاعات الشريكة للوزارة الوصية وعلىٰ مستوىٰ المهام والمسؤوليات والأدوار المنوطة بها.

2-سياق الإصلاح المؤسساتي:

من الطّبيعي جِدّاً أن يكون لدينامية الإصلاحات المؤسساتية والتشريعية التي شهدها المغرب والتي تُوِّجت بدستور 2011م تأثيرها الواضح علىٰ المنظومة التربوية، خصوصا ما ارتبط منها بمَأْسَسة المجال التعليمي وما استلزمته من إعادة توزيع الأدوار والمهام والمسؤوليات علىٰ الوزارة الوصية وباقي المؤسسات سواء منها الحكومية أو غير الحكومية، والتي أضحت شريكة لوزارة التربية والتعليم تتقاسم معها طموح تحقيق غايات التربية وتُسهم في التعبئة المُجتمعية والانخراط الفعَّال في عمليات الإصلاح.

ولعلَّ الثلاثية التي لا يجِبُ أن نغفل عنها ونحن نتحدث عن هذا الجانب المؤسساتي وعن السياق الذي جاء فيه “برنامج عمل القطاعات الوزارية لتطبيق الإصلاح التربوي” هي تلك الثُّلاثية المُكَوَّنة من المجلس الأعلىٰ للتربية والتكوين والبحث العلمي، والحكومة، والوزارة الوصية، وسعيا لتوضيحها وتوضيح الأدوار المنوطة بكل منها نُقدِّم الشكل التالي:

أهم المؤسسات المعنية بالإصلاح التربوي وأدوارها
المجلس الأعلى للتربية والتكوين, الحكومة المغربية, وزارة التربية الوطنية, الرؤية الاستراتيجية.

من خلال هذا الشكل تتبدَّىٰ لنا الرؤية واضحة حول أدوار المؤسسات المُشار إليها في قضية الإصلاح التربوي الوطني. فالمجلس الأعلىٰ للتربية والتكوين والبحث العلمي كهيئة دستورية استشارية؛ يُسهِم في ترشيد الإصلاح التربوي من خلال وضع الرُؤىٰ الاستراتيجية بعيدة المدىٰ، وبلورة خريطة الطريق التي ينبغي أن ينهجها الإصلاح، وذلك من خلال: إنجازِه لتقييمات ودراسات تخص منظومة التربية الوطنية، وإبدائِه الرأيَ في مجموعة من قضاياها، وتقديمِها في نهاية المطاف علىٰ شكل نتائج وخلاصات ومقترحات للحكومة الحالية وكذا الحكومات اللاحقة. لِتَعْمل هذه الأخيرة علىٰ الإفادة من دراسات المجلس واقتراحاته من أجل تسطير برنامجها الحكومي (متوسط المدىٰ 5 سنوات) بما فيه برنامجها في المجال التربوي، ثُمَّ بعد هذا يأتي دور الوزارة الوصية المُتمثِّل أساسا في تسيير وتدبير القطاع علىٰ خُطىٰ ما جاء في البرنامج الحكومي والاسترشاد بدراسات المجلس، وذلك من أجل وَضع خُطَّة عملٍ تنقسم إلىٰ خمس مراحلَ يُشَكِّلُ فيها كل دخُولٍ مدرسي مرحلة من مراحل خطة العمل تلك.

وبهذا تمَّ الانتقال من الرؤية الإصلاحية الأُحادية لقطاع التربية الوطنية إلىٰ الرؤية الإصلاحية التشاركية القائمة علىٰ مأسسة مجال التربية والتكوين والبحث العلمي، وهو ما نتجَ عنه -أيضا- الانتقال من حالة الإصلاح الاضطراري الذي يُرافقه غالباً امتثال قسري لضغوطات وإكراهات تهدد منظومة التربية الوطنية، وتسير بها إلىٰ مُستقبل لا نقول عنه إنه مجهول الوِجهة إلا بقدر ما نقول عنه إنه معلوم العواقب والمآلات الوخيمة؛ تمّ الانتقال من ذلك إلىٰ نوع من التوجُّه والتخطيط الاستراتيجي للإصلاح التربوي للمنظومة التربوية الوطنية.

3-سياق التوجُّه الاستراتيجي للإصلاح:

لا يُمكن الحديث عن شيء يُدعىٰ “توجُّهٌ استراتيجي” دون أن تتوافر له الشروط اللازمة ليكون فعلا كذلك، فتقييم الواقع واستشراف المستقبل والتنبؤ بالتحولات وتحديد الأولويات وتدقيق الأهداف… كلها مستلزماتٌ يدور معها التوجُّه الاستراتيجي وجودا وعدما. وما دامت منظومة التربية الوطنية قد اختارت البُعد الاستراتيجي في توجُّهها الإصلاحي، فلا محيدَ ولا استغناء لها إذن عن مُستلزماته الآنفة الذكر، ولهذا أُنجزت العديد من التقييمات والدراسات التي مَهَّدت وأفادت كثيراً وأسهمت إسهاما بالغ الأهمية في وضعِ الرؤىٰ والبرامج الإصلاحية، نُعَرِّفُ بأهمِّها علىٰ النحو التالي:

أ-التقرير التحليلي لتطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين:

يُمكن اعتبار هذا التقرير الأولَ من نوعه في مجال تقييم المشاريع الإصلاحية للمنظومة التربوية الوطنية، حيث عمل علىٰ تقييم حصيلةِ تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين للفترة الممتدة ما بين 2000 و2013، فقام بعملية رصدٍ لمُجمل الفوارق بين الأهداف التي تغيَّاها الميثاق والنتائج المحصَّل عليها فِعلاً علىٰ مستوىٰ مختلف مكونات المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي.

وقد هَدَفَت الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي لدىٰ المجلس من إنجاز هذا التقرير إلىٰ تحليل تلك الفوارق وتفسيرها، ورصد المكتسبات والنتائج الإيجابية والتأكيد علىٰ ترصيدها، دون إغفالِ للمعيقات التي حَدَّت من دينامية الإصلاح الذي جاء بها الميثاق وحالت دون تحقيق أهدافه المرجُوَّة والحثِّ علىٰ تجاوزها، مع تسطيرٍ دقيق لأهمِّ التحديات المطروحة علىٰ المنظومة التربوية في بعدها الآني والمستقبلي.

ب-الرؤية الاستراتيجية 2015-2030:

علىٰ الرُّغم من أنها جاءت كاستئنافٍ لعملية الإصلاح التي بدأت مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، إلاَّ أنها شَكَّلت حلقةً جديدةً من حلقات الإصلاح التربوي المغربي، والتي أعطته نفساً استراتيجياً بعيدَ الأمد (15 سنة)، ولهذا جاءت مشتملة علىٰ الخطوط العريضة والعامة لما يجب أن يسير عليه الإصلاح الآني والمستقبلي للمنظومة التربوية، وقد تمثلت تلك الخطوط العريضة في ثلاثة وعشرين رافعة مُبَوَّبة علىٰ أربعة فصول إضافةً إلىٰ تصديرٍ ومُلحقان.

هذا وقد أُخِذت بعين الاعتبار أثناء بلورة تلك الرافعات نتائجُ التقرير التحليلي لتطبيق الميثاق وما قَدَّمه من ملاحظات وتوصيات، مع اعتماد منهجية تشاركية في التفكير واقتراح الحلول والبحث عن البدائل… مما جعل هذه الرؤية تحظىٰ بنوع من الاطمئنان إليها الذي نَتَج أساسا عن نجاح المجلس في تحقيق حدٍّ مقبولٍ من التوازنات والموازنات اللازمة للتَّقدم بالمنظومة التربوية الوطنية.

ج-تقرير التربية علىٰ القيم في المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي:

لم يَكُن بوُسعنا تجاوزُ هذا التقرير ونحن نتحدث عن الإصلاح التربوي بالمنظومة التربوية المغربية، ولن يسعنا ذلك أبدا في ظل الحديث عن بُعدٍ استراتيجي في ذلك الإصلاح. فإذا كانت الرؤية الاستراتيجية قد قدَّمت الخطوط العريضة كما أسلفنا، فإنَّ الحاجة ظَلَّت مُلِحَّة لتعميق النظر في كثيرٍ من القضايا التي لا يُمكن الادِّعاء أنّ تناولها علىٰ هذا القدر من العمومية يُهيِّئ الشروط المناسبة والقمينة بتحقيق الإصلاح فيها، خصوصا ما كان منها مَحَطَّ مَدٍّ وجزر وتباين واختلاف في الرؤىٰ والتصورات والمرجعيات… الأمر الذي يُحتاج معه إلىٰ المحاورة والمراجعة والمقايسة والمقارنة والنقد ولم لا النقض أيضا.

وليست قضية القيم بِدْعاً من هذه القضايا الشائكة، ولهذا؛ اتَّجه تقرير القيم هذا إلىٰ الحسم في كثير من القضايا التي ظلَّت –نظراً لعدم حسم الميثاق فيها وبيانها وتوضيحها- عُرضةً لتأويلات الفاعلين المختلفة والمتبايِنة أحيانا، فأقرَّ ابتداء ما نصَّ عليه الدستور من قيم مشتركة للأمة في ديباجته ليجعل منها المرجع المُوَحِّدَ والأساس في التربية علىٰ القيم، مع إقرار كونية القيم وخصوصية مفاهميها في مُحاولة لتجاوز إشكالية التعارض بين الكونية والخصوصية.

إضافةً إلىٰ ذلك فقد اشتمل التقرير علىٰ تشخيص عامٍّ لواقع التربية علىٰ القيم في المنظومة التربوية الوطنية، وقد كان جريئا إلىٰ حدٍّ كبير في توصيف ذلك الواقع والوقوف علىٰ ما يمكن اعتبارها نقاطا مُظلمة في المنظومة التربوية، ولم يقف التقرير عند هذا الحدِّ وإنما سعىٰ إلىٰ تقديم مقترحات حول آفاق التطوير والتغيير، ليَخلُص في النهاية إلىٰ تقديم مجموعة من التوصيات التي من شأنها أن ترفُد عملية التربية علىٰ القيم بالمنظومة التربوية وتبوِّئها من المنظومة مكانتها التي تستحقها.

  • خاتمة:

علىٰ الرغم من الطابع الاختزالي الذي قُدِّمت فيه محاور هذا المقال، فإنِّي أعتقد أنّه قد أسهم إلىٰ حَدٍّ ما في توضيح المعالم الكُبرىٰ للإصلاح التربوي الجديد بالمغرب، ولعله قد تَبَيَّن مع ذلك أنَّه يَستشكل علىٰ أيٍّ كان أن يَقترب من موضوع الإصلاح التربوي في المغرب دون الإلمام بسياقه وبالمؤسسات والهيئات التي أصبحت تضطلع به وبالخطوات التي نُفِّذت تمهيداً لإجراءاته وعملياته… فكيف بتقييمه وإصدار الأحكام بشأنه وتقديم مقترحات بديلة عما جاء به؟!

وإنَّه لَمِنَ المؤسِف –حقاً- أن لا يُواكِبَ الكثير منا –بما في ذلك مختلف الفاعلين التربويين- مثل هذه القضايا المُستجَدَّة، ولا يولوها القدر الكافي من الاهتمام لتكون مواقفهم وآراؤهم عن بيِّنة وهُدىٰ. وما دام الأمر كذلك؛ فإنه لم يكُن ليَحْسُنَ بنا ونحن نحاول الاقتراب من الموضوع نفسِه أن نرتكب الخطأ نفسَه، ولهذا؛ قَدَّمنا بين يدي هذا المقال هذه اللمحة الموجزة لسياقات الإصلاح الذي تعرفه المنظومة التربوية الوطنية، لنُخصٍّصَ ما تبقىٰ منه للمناقشة والملاحظة التي لن تخرج –كما سبق وأن أكَّدنا- عن الدائرة التربوية الخالصة.

شارك المقال

تعليقات الفيسبوك

التعليقات (0)

لا تعليقات حتى الآن، كن أنت الأول.

نص التعليق