fbpx

هل تُذَكِّرك هذه القصة بأحد؟

من بين الكتب المتراصة على الرف هناك.. أو من فوق المقرأة التي تصَدَّرت المجلس في قاعة الضيوف.. أو من جنب سريره.. أخذه بين يديه.. وجَعَل يمسح ما علِق علىٰ دفتيه من غُبار.. ولربما أدمعت عيناه من فرط الشَّوق عبَراتٍ حارقة.. ونبض قَلْبُه خفقاتٍ متسارعة..

إنَّ آخر عهده به لم يكن دقائق ولا ساعات بل ولا أياما حتى.. لعلَّه لا يدري علىٰ وجه التحديد متىٰ كانت آخر قراءة له منه.. وإن شئتَ الحقيقة فإنَّ بداخله صوتا يهمس علىٰ خجل شديد في أذنه: “لقد مر علىٰ تصفُّحِه عاما كاملا..”

بكل تأكيد قد ذَكَّرتكَ القصة بأحدهم حصل معه نفس الأمر تماما في رمضان الماضي، وها هو الآن يعيد الكَرَّةَ ذاتها، لقد شَمَّر علىٰ ساعدَيْه وسعىٰ كما يفعل في كل رمضان إلىٰ حِساب الصفحات والختمات التي سيحظىٰ بتحصيلها عند نهاية الشهر الفضيل..

وهكذا أصبح فجأةً موظفا نشطا في بورصة الأجر والثواب، بدأ يجمع ويطرح كما لو كان علىٰ درايةٍ تامة بمقدار الأجر والثواب الذي هو بحاجة إليه ليُسدد ما عليه من ديون الله فترجح كفة حسناته علىٰ كفة السيئات..

بكل تأكيد ذكرتك هذه القصة بأحدٍ يحصل معه نفس الأمر –تماما- في كُلِّ سَنة، ولعله يجد نفسه الآن أمام المشهد ذاته. أصبح يُعيد نفس التجربة في كل رمضان؛ لقد أصبح ذلك جزءا طبيعيا من الجو الرمضاني، وفي كل مرة يقول: “رمضان شهر القرآن” ومِن الطبيعي أن يكون مُعدَّل قراءتنا للقرآن فيه مرتفعا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يفعلون ذلك في رمضان.

ها أنا أقول له: نعم رمضان شهر القرآن، ولكن؛ ماذا عن باقي الشهور؟

أليست قسمة ضيزى؟ أن تُقسِّم السَّنة إلىٰ شهرٍ للقرآن وأشْهُرٍ أُخرىٰ لغيره؟ هي قسمة جائرة ظالمة في حق نفسك وفي حق هذا الكتاب وفي حق الزمن نفسه. وسيزداد هذا الظلم جورا إذا حاولت أن تُقْنِع نفسك بأنّ الثواب يكون علىٰ أداء الواجب لا علىٰ بلوغ الهدف، وواجبك هو -فقط- أن تتلو كتاب الله تعالى وتجتهد في ختمه، أمّا تحقيق أهدافه ومقاصده وغايات ما قمت بقراءته فهو متروك لله تعالى، إن شاء منحك وإن شاء منعك. فبهذا تتوهم أننك استطعت أن تُخرج نفسك من طائلة المسؤولية عمّا ستفعله بعد رمضان بكتاب الله تعالىٰ.

إن كان هذا حالنا كما وصفتُ لك الآن؛ فما أحوجنا إلىٰ أن نَعْلَمَ أنّ القرآن الحقَّ الذي نحن نقرأه ونحرص علىٰ ختمه في رمضان، لعلنا لم نقرأه بعد وإنما توَهَّمنا أننا نفعل ذلك! فالقرآن الكريم نزل في رمضان لكنه استمر في النزول إلىٰ ما بعد رمضان.

شارك المقال

تعليقات الفيسبوك

التعليقات (0)

لا تعليقات حتى الآن، كن أنت الأول.

نص التعليق