fbpx

حوار مع صديقي المُصلِّي: جنتك ضاقت بي، بينما جنتي لا تضيق.

توجَّه إليَّ بعد أن انتظرني طويلا لأنهي وِرْدا اعتدته بعد صلاة الفجر، دنا مني وعلى مُحيَّاه ابتسامة مفتعلة، فهمت منذ البدء أن الغرض منها فقط هو فتح المجال للنقاش.

قال صديقي: السلام عليكم أيها الأخ (مُربِّتا على كتفي، مما جعلني أبدو وكأني في موقف ضعف كحيوان أليف يداعبه مالكه)

أنا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا صديق.

انقلبت الابتسامة في وجه صديقي فجأة لنظرة حادة، يبدو أنَّ كلمة يا صديق لم ترق له. وقال محاولا تجاهل الكلمة التي نزلت كمِعول حاد على رأسه: ما اعتقادك في السُّبحة يا أخ؟

حان الوقت لأبتسم أنا هذه المرة، فلا بأس من تبادل الأدوار أحيانا، أجبته: اعتقادي في السُّبحة هو تماما مثل اعتقادك في الأنامل التي ثبتت في أصابع راحتيك، يا صديق.

من خلال ملامحه علمت أنّ الإجابة لم تكن متوَقَّعة من طرف صديقي، مما جعله يأخذ مكاني في مسرح الأحداث ليصبح أليفا على غير الاستئساد الذي كان عليه، ولكنه ليس من النوع الذي يتقبل الحوار على هذا النحو، إنه من النوع الذي يعشق الفقه وتفاصيله ويعشق الغوص في دقائقه خصوصا فيما اختُلف فيه.

تجاوز صديقي الحدود وانقض على السُّبحة التي في يميني وأخذها وراء ظهره، تفاجأت أنا هذه المرة، ووقفت مشدوها أمام هذا التصرف غير المتوقع في بيت الله تعالى، وتبسَّم هو وبدت على محيَّاه علامات النشوة لهذا الانتصار، فإنَّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

قال لي صديقي: أتعتقد أنَّ دين الله لهو ولعب، يأخذه من شاء كما شاء؟

قلت: لا أظنني أعتقد هذا.

قال: فإذن؛ إعلم أنَّ هذه (وأشار بالسبحة) بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

قلت: الضلالة إذن في النار وليست في المسجد.

من جديد لا يدري هو كيف يجيب، وأنا لا أدري من أين تأتيني هذه الأجوبة، اتجهت لآخذ حذائي وتركت قلبي معلقا مع السُّبحة التي أهدتنيها أعزّ أخواتي في لحظات كانت جد عصيبة، تلك السبحة التي طالما ذكَّرتني خرزاتها التي أقلِّبها بين أصابعي بقلبي الصغير الذي يُقَلِّبه ربي كيف يشاء، تلك السُّبحة التي تذكرني حبَّاتها بغراس الجنة، تلك السُّبحة التي يذكرني خيطها بحبل الله المتين، تلك السُّبحة التي أتذكر كلما أنهيت تسبيحاتي وعدت إلى حبتها الأولى الطوافَ حول البيت العتيق…

تبعني صديقي الذي لا أعرفه، وهو يحاول أن يجادل ويقنعني ويهديني من ضلالتي، قلت له في حديث هادئ جدا، وبصوت منكسر جداً: ما الأذكار التي ترددها على أناملك؟ فأحصى لي بعضها، قلت: كذلك أنا.

قال: لكن عليك أن ترددها كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وجمع الصحابة من بعده والسلف الصالح.

أحسست أن الرجل يأبى إلا أن يُحوِِّل مجرى الحديث إلى ما تعود ترديده بشكل ببغائي وبلهجته الشديدة والقوية، تلك هي قضايا الاتباع والابتداع وما هو توقيفي وغير توقيفي…

فقلت: في هذه صدقت، وكيف فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وجمع الصحابة من بعده والسلف الصالح هذا الأمر.

قال: بالأصابع.

قلت: كيف؟

قال: هكذا؟

أخذت بضعة حصيات من الأرض، وقلت له أيضا هكذا، وأخذت أعد بالحصيات.

بدأ يلعب بلحيته الكثيفة، ثم ردَّ إليَّ سُبحتي وهو يقول: أعوذ بالله من الجهل والجهلاء، هذا زمان البدع والهوان، هذا زمان القصعة… ابق في ضلالك ما أردنا لك إلا الجنة.

أخذت سبحتي وقد عاد إلي معها قلبي، وقلت له: يا صديق، جنَّة الله أكبر من تسبيحتي وأصابعك، وجنَّتي بين جنبي، جنة الله هنا في قلبي يا صديق، ولن تضيق بك كما ضاقت بي جنَّتك، فهي واسعة جدا تتسع لي ولك.

الوقائع حدثت بمسجد الحي بمدينة طنجة بعد صلاة الصبح ليوم 6 غشت 2017م

شارك المقال

تعليقات الفيسبوك

التعليقات (0)

لا تعليقات حتى الآن، كن أنت الأول.

نص التعليق